الثلاثاء، 12 يوليو 2016

في ذكرى مذبحة سربنيتشيا، ماذا تعرف عنها ؟

 في ذكرى مذبحة سربنيتشيا، ماذا تعرف عنها ؟

ماذا تعرف عن مذبحة سربنيتشيا ؟

ما هي مذبحة سربنيتشيا ؟
مذبحة كارثيّة ارتكبتها ميليشيات الأرثوذكس الصربية تحت نظر العالم الدوليّ متمثلًا بأهم أجهزته في الأمم المتحدة،  تصنف بأنها أسوأ مجزرة شهدتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، راح ضحيتها حوالي ثمانية آلاف من المسلمين البوشناق “البوسنة والهرسك” العزّل، ونزح على إثرها عشرات الآلاف من المدنيين.

خارطة توضيحية
أين تقع سربيتشيا؟
سربرنيتشا مدينة تقع شرق جمهورية البوسنة والهرسك التي أعلنت الاستقلال عن يوغسلافيا السابقة.
متى وقعت المذبحة؟
وقعت في 11 تموز/يوليو 1995 واستمرت لقرابة الأسبوع حتى يوم 19 من الشهر نفسه.
ما خلفية الصراع ؟
كان لجمهورية البوسنة والهرسك الإشتراكية دور كبير في محيطها بسبب موقعها الجغرافي المركزي ضمن الإتحاد اليوغسلافي، وقد عرفت هذه الجمهورية بتعدد الأعراق متمثلة بأغلبية البوشناق المسلمين وقد جاوزت نسبتهم الـ 44% من مجمل السكان، ويمثل الصرب الأرثوذكس منهم 31%، أما الكروات الكاثوليك فيمثلون 17%. وبعد إعلان السيادة الوطنية يوم 15 أكتوبر عام 1991، بدأت جمهورية يوغوسلافيا السابقة في التفكك، في 29فبراير 1992 أجري إستفتاء للإستقلال قاطعه الممثلون السياسيون للصرب والبوسنة. وبعد نتائجه التي أفضت لصالح الإستقلال،اعترف رسميًا  بجمهورية البوسنة والهرسك من قبل الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في 6 أبريل 1992. على إثر ذلك قامت قوات صرب البوسنة، بدعم من الحكومة الصربية بقيادة سلوبودان ميلوسيفيتش والجيش الشعبي اليوغوسلافي بالهجوم على جمهورية البوسنة والهرسك من أجل “توحيد وتأمين الأراضي الصربية”. نجم عن هذا الهجوم صراع عنيف وحملات إبادة ممنهجة وتطهير عرقي للسكان خاصة المسلمين البوشناق في البوسنة الشرقية، بالقرب من الحدود مع صربيا.
كيف تمّت المذبحة؟
وقعت المذبحة في منطقة “سربيتشيا” وهي منطقة تخضع لوصاية أمنية، بمعنى أنها محمية من قوات حفظ الأمن الدوليّة وحلف شمال الأطلسيّ، حيث أعلنت الأمم المتحدة في إبريل من عام 1993 أن منطقة وادي درينا سريبرينيتشا في شمال شرق البوسنة” منطقة آمنة” تحت حمايتها ممثلة بكتيبة من قوات حفظ السلام الهولندية إثر  إتفاق مبرم عقب قيام البوسنة بمطالبتها الإستقلال عن يوغوسلافيا .


صحيفة ذي إندبندنت البريطانية الشهيرة في افتتاحية الصفحة الأولى، الأمم المتجدة تترك 8000 للموت في البوسنة !
وتحت ذريعة خضوعها لتسمية “منطقة أمنية” قامت الأمم المتحدة بنزع الأسلحة من سكانها المسلمين الذين كانوا يدافعون بها عن أنفسهم أمام جبروت الجيش الصربي. يفترض من هنا أن يقوم المجتمع الدوليّ بحمايتهم، لكن بعد أن أجبر أهل المنطقة على نزع السلاح بالكلية وتسليمها للأمم المتحدة قامت القوات الدولية بالإنسحاب المبرمج، بل ومنعت حتى أي قوات من الدخول للدفاع عنهم، وبذلك خلت الساحة تماماً امام الصرب لينفذوا أشنع الغارات وأبشع الجرائم في إبادة الشعب البوسني المسلم.
تم تشريد عشرات الألآف ونزوح أمثالهم إثر عمليات الإغتصاب والقتل والتشريد والإهانات التي وقعت، والعالم الحيران وفي صمت عجيب، والحجّة الأوضح أنهاما كانت إلا تصفيّة عرقية دينية. وباسم الحضارة والديموقراطية منع وجود أي كيان إسلامي في أوربا، وكل ذلك قد حدث برعاية الإتحاد الأوروبي الذي حرص على رفض أي تدخل عسكريّ لإيقاف المذابح العرقية الصربية للمسلمين، بل وساهم بحظر توريد إي سلاح للمذبوحين للدفاع عن أنفسهم.
بالمناسبة : قبل وقوع المجزرة فرض حصار طويل على المنطقة أفضى إلى مجاعة كارثية وقعت بين عام1992 و1995. وقد كان هدف الصرب خلال هذه الفترة تجويع المسلمين حتى الموت، وبالفعل كان مسلمو سربريتشيا يتضورون جوعا حتى الهلاك، وعندما زار الصحفي الإسترالي توني برتلي سربرينيتشيا المحاصرة في مارس 1993 أخذ لقطات مأساوية لأحياء مدنين من البوسنة تزهق أرواحهم بسبب الجوع.
نماذج وحشية لبعض الجرائم المرتكبة
  • أثناء حرب البوسنة تم إغتصاب أكثر من عشرين ألف إمرأة مسلمة، هذا الرقم بالطبع أقل بكثير من الواقع إذ أنه وبسبب الوصمة الإجتماعية رفضت العديد من النساء الشهادة ضد الصرب المغتصبين . كان النساء في البوسنة يتعرضن للإغتصاب والتعذيب الجنسي والإستعباد



إمرأة مسلمة من البوسنة في حالة صدمة، وهي إحدى ضحايا الإغتصاب الممنهج في المذبحة، اخذت الصورة من قبل انتوني لويد مراسل الحرب وضابط سابق في الجيش البريطاني آنذاك.
  • من القصص التي حدثت  أثناء مجزرة  ‏سربرنيتشا‬، أن أقدم واحد من جنود الصرب الذين يرتدون الزي العسكري الهولندي إلى إجلاس سيدة مسلمة من البوسنة على الأرض ثم وضعوا في حجرها طفلها الصغير ذو العشرة أعوام، وبدون أي رحمة قام الجندي الصربي بقطع رأس الطفل الصغير بالسكين وهو في حضن امه .. ثم رفع رأسه المقطوع أمام جموع اللاجئيين المسلمين هناك مهللا وبقية جسد الطفل المفصول مازال في حضن أمه التي اصيبت بهيستريا من المشهد، وعندما بدأت المسكينة بالصراخ والعويل أجبرها الجندي الصربي على  على شرب دم طفلها من رأسه المقطوع .. كل هذا حدث تحت نظر الأمم المتحدة وبمباركة دولية آنذاك


جثة لمسلم من ضحايا مذبحة سربرنيتشا، تظهر بوضوح كيف أن الضحية كانت معصوبة العينين واليدين مقيدة خلف الظهر
  • بسبب إشتداد الرعب وإنشتار الإغتصاب وقتل الأطفال وتشريد الناس عن ذويهم، أقدم النسوة البوسنين على شنق أنفسهم بصورة ملحوظة هربًا من العذاب . وفي الصورة إحدى هذه الحالات.

هذه السيدة تسمى فريدة عثمانكوف، شنقت نفسها بالمقرب من مخيم في مطار توزلا بعد فصلها قسرا من أهلها وترحيلهم من سربرنيتشا خلال الإبادة الجماعية. ووفقا لدائرة الخارجية الأمريكية وجدت حالات مماثلة لطفلة من البوسنة تبلغ 14 عام وقد علقت نفسها بوشاح في بوتوكاري بعد أن قام الجنود الصرب بإغتصابها هي وبنت عمها البالغة من العمر 12 عاما.

  • بقر بطون الحوامل من أهم وسائل الإرهاب التي انتهجتها قوات الصرب الأرثوذكسية، من القصص التي وقعت ذبح النساء وبقر بطونهم وإخراج الأجنة وذبحهم بالسكين .

  • صورة لإمرأة حامل بوسنية ذبحت وطفلها في بطنها، استخرجت الجثة من المقابر الجماعية في منطقة سريبرينيتشيا، القتل تم في مايو 1992 . في ذات المقبرة الجماعية وجدت جثث 30 سيدة بوسنية و8 أطفال صغار واحد منهم يبلغ عمر سنتين ، مصدر الصورة منظمة حقوق الإنسان، الحقيقة للعدالة، توزلا
  • كان الجنود الصرب يقومون بقطع حلق كل طفل يبكي أثناء عملية التطهير العرقي لكي لا يزعجهم صوته .
  • يرجح أثناء هذه المذبحة الفظيعة إستخدام أسلحة كيماوية من قبل الجيش الصربي، إذ شهد الناجيين قيامهم بتصرفات غير عقلانية وإضطرابات على غرار الهلوسة وقتل النفس، وقام خبراء من وزارة الدفاع الأمريكية بإجراء مقابلات مع عدد من الناجين من المذبحة الشنيعة صيف 1996، وخلصت النتائج إلى تأييد مزاعم إستخدام أسلحة كيماوية .
  • من القصص الموثقة أيضًا قيام الجنود الصرب بجوار كتيبة من الجنود الهولنديين التابعين للأمم المتجدة بإغتصاب مجموعة كبيرة من النساء من عمر 9 سنوات حتى 65 سنة، وتمزيق أرحامهن وهن لايزالن على قيد الحياة


صورة ارشيفية تعود لتاريخ 11 يوليو 1995 كبار سن من البوسنة، يحصلون على علاج إثر إصابات لحقت بهم على أيدي القوات العسكرية الصربية أثناء فرارهم من الإبادة الجماعية في سربرنيتشا، الرجل توفي بعد فترة وجيزة تم التقاط هذه الصورة

ما موقف الصرب اليوم؟
الرئيس الصربي الحالي توميسلاف نيكوليتش قدم إعتذار رسمي متأخر عن المذبحة، لكن مع ذلك رفض أن يوصف هذه المأساة بأنها إبادة جماعية، ولم يتم الإعتذار عن هذه المجزرة وإدانتها من مرتكبي الجريمة إلا قبل فترة ليست بعيدة في البرلمان الصربيّ، وقد جاءت الإدانة على مضض وفسرها البعض بصورة إنتهازية كجسر عبور من أجل الإنضمام إلى دول الإتحاد الأوربي بإعتباراها متعددة العرقيات ومتسامحة ورافضة للظلم (!) دولة بلجراد قدمت طلبا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي وإشترطت الأخيرة بدورها القبض على ملاديتش وإرساله الى محكمة جرائم الحرب في لاهاي قبل ان تبدأ المحادثات، مع العلم أن ملاديتش ورادوفان كراجيتش زعيما المذبحة يُعتبران بطلان قوميان بالصرب حتى اللحظة وترفع صورهما في كل المحافل رغم القبض عليهم لاحقاً.
من هم أبرز مجرمي مذبحة سربرنيتشا ”الأبطال القوميين الصربيين” ؟
سلوبودان ميلوسيفيتش
 
  كان رئيساً لصربيا ويوغوسلافيا في فترة المذبحة. أبرز إتجازاته تمويل الصرب البوسنيين ودعمهم بالسلاح والعتاد، وهو بذلك ممول الحرب الدموية العنصرية ضد المسلمين والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص مسلم وشرّدت مئات الآلاف الآخرين طيلة فترة حكمة 1988-1997م، وقد تمّ أخيراً في فبراير 2001م محاكمتة بصفقة سياسيّة في المحكمة الدولية، حيث واجه فيها 66 تهمة تتعلق بالإبادة الجماعية في كرواتيا والبوسنة وكوسوفا وجرائم التصفية العرقية وقتل النساء والأطفال والأبرياء. وفي 11/3/2006م عثر عليه ميتاً بظروف غامضة في مركز الاعتقال الذي كان محتجزاً به في لاهاي.




راتكو ملاديتش
من أهم الزعماء والجنرالات الشيوعيين الصرب، وهو رئيس لأركان جيش جمهورية صربيا في حرب البوسنة أبان الفترة 1992-1995، كما كان المسؤول عن حصار سراييفو من 5ابريل1992 حتى 29فبراير 1996، يعتبر هذا العسكريّ المسؤول الأول عن حملة التطهير العرقي ضد الكروات والمسلمين بالبوسنة وخاصة بمجزرة سربرنيتشا، وهو ما جعل المحكمة الدولية لجرائم الحرب في يوغسلافيا توجه له في نوفمبر 1995م تهم التطهير العرقي وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد أعتقل بعد 13 عاماً من التخفّي، وتمت إحالته على محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي. كان إعتقاله شرط من الشروط المسبقة لقبول صريبيا في عضوية الإتحاد الأوربي . بقيادته طردوا من سربرينيتشا أكثر من 40،000 من البوشناق المسلمين و قتل ما يقدر بنحو 8300 مسلم.


رادوفان كاراديتش

  سياسي صربي وطبيب نفسي وبطل تاريخي يطلق عليه إسم جزار البوسنة وهو أول رئيس لجمهورية صربيا بين (1992-1996)، معتقل في وحدة إحتجاز تابعة للأمم المتحدة، من كبار الفاعلين في إرتكاب مجازر ضد مسلمي البوسنة خلال حصار سراييفو والإبادة الجماعية في سربيرينيتسا، وواحدة من أهم أقواله “أهل سراييفو سوف لن يتمكنو من عدّ أمواتهم، بل على العكس سوف يتمكنوا من عدّ أحيائهم”  ! كان قد دعى لإستخدم الاغتصاب من قبل القوات الصربية كأسلوب من أساليب الحرب في البوسنة
في الحقيقة قائمة “الأبطال” لا تنتهي، وجميعهم خريجي مدرسة العدالة الدولية التي أعطتهم منجل القتل وباليد الآخرى تشدّقت بلاهاي ! ويرى البعض أن مسألة تسليمهم او اعتقالهم أو حتى محاكمتهم ماهي الا صفقات سياسية.
كم عدد الضحايا وأين مدافنهم ؟
القائمة الأولية المفقودين والقتلى في مذبحة سربرنيتشا حسب ما أفادت اللجنة الاتحادية البوسنية للمفقودين احتوت على أسماء 8373 ضحية، وقد قامت المحكمة الجنائية الدولية في الفترة ما بين 1996 إلى 2000 بإستخراج جثث الضحايا من أكثر من 21 مقبرة جماعية لتحديد عدد الأشخاص الذين قتلوا في البوسنة، من بين هذه المقابر كان هناك 14 من المقابر الأولية التي دفن فيه الضحايا مباشرة بعد قتلهم، وفي محاولة من الجنود الصرب لتغطية جرائمهم قاموا بإزالة بقية الجثث من القبور الإبتدائية وأعادوا دفنهم في مواقع أخرى وفي يوليو 2012 قد تم تحديد هو 6838 من مجموع ضحايا الإبادة الجماعية وذلك من خلال تحليل الحمض النووي من أجزاء الجسم المستخرجة من المقابر الجماعية، وفي يوليو 2013، تم دفن 6066 ضحية في مركز بوتوكاري التذكاري وهذه صور من هناك .


أطباء شرعيون يقفون بجوار قبر جماعي للمذبح الفظيعة، يمسك أحدهم بما تبقى من يد أحد الصبية المراهقين لدراستها، الصورة لـ سارة تيري
ماذا عن الموقف الدولي لاحقا؟
كانت المجزرة التي وقعت في سربرنيتشا في يوليو 1995 أسوأ الفظائع التي ارتكبت واحدة في يوغوسلافيا السابقة خلال التسعينات، وهي أسوأ مذبحة وقعت في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. لذلك تشكلت المحكمة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب والتي أنشئت في عام 1993 لملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي والتي ارتكبت في يوغوسلافيا السابقة منذ عام 1991، وقد استثمرت المحكمة قدرا كبيرا من الوقت والجهد في التحقيق فيما حدث في سربرنيتشا و تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، كما سعت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلى إعادة تعريف الإبادة الجماعية نظرًا للجنون الذي قدم عليه جنرالات الحرب الصربية وعلى رأسهم راديسلاف كرستيتش المتهم بالتحريض للإبادة الجماعية والقتل للمنهج في سربرنيتشا، وذلك في يوليو 1995. كما توسّع الحكم وأعيد التعريف القانوني لمفهوم الإبادة الجماعية متضمنا القتل الجماعي على أساس العرق.
اليوم بعد عشرين عاما من المذبحة الشنيعة، وتحديدا في يوم 8 يوليو 2015، قامت روسيا بالإعتراض على قرار اقترحته الامم المتحدة يدين مذبحة سربرنيتشا بإعتبارها إبادة جماعية. وبعدها بيوم في 9 يوليو 2015، اعتمد أعضاء البرلمان الأوروبي ومجلس النواب في الكونغرس الأمريكي بالإجماع قرارا  بشأن مذبحة سربرنيتشا تعريف الجريمة بأنها إبادة جماعية.
وللتوسّع أكثر أرجو الإطلاع على المدوّنات التالية:
Srebrenica Genocide Blog

منقول من مدونة مُنى حوّا





الخميس، 30 يونيو 2016

محكمة المياه في بلنسية الإسلامية


يكمن سر تفوق الحضارة الإسلامية وخلودها في أنها وليدة شريعة تقوي المجتمع وترفع من شأنه وتطلق طاقاته، فيستمر عطاؤه الحضاري بغض النظر عن حال السلطة السياسية من القوة أو الضعف، بل نحن أصحاب الحضارة التي ربما هزمت عسكريا, ثم لم يلبث أن اعتنق المحتلون دينها وحضارتها كالمغول، أو حضارتها دون دينها كالصليبيين في الشام والإسبان في الأندلس والنورمان في صقلية .. وغير ذلك مما هو معروف ومشتهر.
ودور السلطة – في تاريخنا الحضاري- أشبه بمن يطلق الشرارة أو يبذر البذرة، التي ترعاها الأمة فيما بعد، فيستمر حصادها حتى ولو ضعفت السلطة أو ذهبت بالكلية، وذلك راجع إلى قيمتين أساسيتين في الإسلام هما: الإنفاق في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما القيمتان اللتان أسستا لمؤسستي: الوقف والحسبة، وكلتاهما كانتا تعبيرا عن التميز الإسلامي، وكان لهما فضل حراسة قيم الأمة وحضارتها، حتى جاءنا الاحتلال الحديث, فكان أن استفاد منهما في بلاده, وحرص على تدميرهما في بلادنا.
عبد الرحمن الناصر وإنشاء محكمة المياه في بلنسية:
في السطور القادمة نتناول أنموذجًا من التاريخ لمؤسسة أطلقت شرارتها السلطة، لكنها بقيت خالدة حتى يومنا هذا بعد أن ذهب الخليفة وذهبت دولته, بل وذهب المسلمون من تلك الأرض.. تلك هي محكمة المياه في بلنسية الأندلسية، وهي تمثل نموذجا للمسؤولية الاجتماعية والحلول المبدعة التي يفرزها المجتمع, ويقوم عليها ويبقيها.
كان عهد عبد الرحمن الناصر من أزهى عهود الأندلس، وهو العهد الذي استمر لنصف قرن، إذ تولى الحكم وهو شاب صغير في حدود العشرين سنة, ثم مات وهو في السبعين من عمره (300 - 350هـ)، واستطاع في عهده أن يغير حال الأندلس من ضعف وتفكك إلى قوة ومجد وازدهار .. فهذا الناصر هو من أطول الملوك حكما في تاريخ المسلمين.
كان من آثار عهده إنشاء "محكمة المياه" في بلنسية، التي احتفلت إسبانيا بمرور ألف عام على إنشائها عام 1961م، وحضر الملك الإسباني خوان كارلوس جلساتها أربع مرات، واعتمدت في الدستور الإسباني 1978م، وصارت جزءا من قانون مقاطعة بلنسية الصادر 1982م، ومن قانون الماء الإسباني الصادر 1985م، وأخيرا فقد سجلتها منظمة اليونسكو ضمن التراث العالمي الذي يجب المحافظة عليه في سبتمبر 2009م. فما هي قصة المحكمة؟
مما تتكون محكمة المياه؟:
تحولت بلنسية التي أنشأها الرومان على ساحل البحر المتوسط في عهد المسلمين إلى أرض الحدائق والجنات، رغم قلة أمطارها، وذلك بأثر مما أبدعه المسلمون من أنظمة الري والتحكم بالمياه، من خلال ما بنوه من سواقي وسدود على نهر توريا الذي يمد المدينة بحاجتها من الماء، وهذه التقنيات التي تركها العرب منذ ألف سنة بلغت من التطور والإبداع حدا عظيما، ويكفي أنها ما تزال هي الأساليب المعتمدة في الزراعة حتى الآن.
نشأت محكمة المياه كنوع من المحاكم المتخصصة التي تسد حاجة سريعة في تنظيم الماء في بلنسية، وهي تتألف من ثمانية أعضاء يمثلون السواقي الثماني القائمة على نهر توريا في بلنسية وهي: (سواقي قوارت ــ مصلاتة ــ ترمس ــ مستليا ــ فبارة ــ رأس كانيا ــ روبية ــ بيناشيرـ وفيتمار)، فلكل ساقية مستفيدون منها، وهم أصحاب الأراضي الواقعة حولها، وهم ينتخبون فلاحا منهم ليكون قاضيا عليهم، وتكون مدة انتخابه لسنتين أو ثلاث، وحين يجتمع الأعضاء الثمانية يترأسهم الأكبر سنا، ثم يختارون بالانتخاب رئيس المحكمة ونائبه.
جلسات محكمة المياه:
تعقد جلسة المحكمة منتصف نهار يوم الخميس من كل أسبوع -مثلما كان ذلك في عهد المسلمين- وفيها يتقدم الشاكي بشكايته ويدافع المتهم عن نفسه، ولا يشترك قاضي هذه الساقية في تداول شأن القضية بل يحكم فيها السبعة الآخرون، وتعد أحكامهم نافذة وغير قابلة للاستئناف أو الطعن أمام أي جهة أخرى، ويقوم بتنفيذها حراس السواقي تحت إشراف قاضي الساقية الذي لم يشترك في القضية، ويعد هو المسؤول عن تنفيذ الأحكام.
حراس السواقي وقضاة المحكمة:
وحراس السواقي أولئك هم بمثابة الشرطة المتخصصة، إذ بخلاف تنفيذهم للأحكام، فهم أيضا من يبلغون المحكمة بأي تعديات أو مخالفات وقعت في ناحيتهم.
قضاة المحكمة هم من الفلاحين الذين يزرعون الأرض ويتكسبون منها بما يجعلهم متخصصين في هذا المجال، ويعرفون دواخله وتفاصيله وأساليب الحيل والمخادعات فيه، وهم ما زالوا يرتدون الثياب السوداء التي كان يرتديها الفلاحون في بلنسية منذ العهد الإسلامي، ويجلسون على مقاعد جلدية كنحو التي كان يجلس عليها القضاة قديما، وجلسات المحكمة كانت ولا تزال علنية يمكن لأي امرء أن يحضرها، كما تعقد المحكمة في ذات الفناء الذي كانت تعقد فيه، غير أنه قديما كان فناء مسجد رحبة القاضي -وهو المسجد الجامع في بلنسية- بينما صار الآن فناء كاتدرائية بلنسية بعد هدم المسجد في زمن إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس.
وتضمن المحكمة استمرار نفسها من خلال التمويل الذاتي، إذ يحصل القضاة على نسبة من رسوم الري، ونسبة من الغرامات التي توقع كعقوبات على المخالفين، وتكفل لهم نفقات تنقلهم.
في حين كان الاجتثاث الإسباني للمسلمين في غاية الجنون، فإنهم -لافتقادهم أي أساليب تنظيمية للزراعة والتحكم في الماء- قد أبقوا على محكمة المياه هذه كأمر لابد منه لكي لا تخرب بلنسية، إلا أن الخراب أصابها من وجه آخر، وهو نقص ذوي الخبرة والمهارة في الزراعة الذين كانوا من المسلمين، إذ صاروا بين قتيل وأسير ومهاجر.
وما تزال بلنسية تستعمل المقياس العربي "فيلان" في قياس كميات المياه التي تحصل عليها كل ساقية، بحيث ينضبط التوزيع العادل لمياه النهر بحسب كل ساقية والمساحات التي ترويها، والتي تبلغ أكثر من 40 ألف فدان.
وبهذا تمثل محكمة المياه البلنسية الأندلسية أنموذجًا لمؤسسة اجتماعية ذات نفع عام، استمدت فكرتها وخلودها من خصائص الحضارة الإسلامية التي أنبتتها.

المصدر قصة الاسلام 

الأربعاء، 29 يونيو 2016



القادة العشرة الأبرز في التاريخ الاستراتيجي الإسلامي



ليس ثمة شك أن اختزال مئات الأسماء والقادة في عشرة فقط (من غير الصحابة الكرام) مهمة عسيرة، وليست بالضرورة يقينية؛ وقد يرى البعض إضافة أسماء أو حذف أخرى، وهذا بالطبع ممكن وضروري، فالتاريخ ليس علمًا طبيعيًا محدد المدخلات والقوانين والنتائج بصورة قاطعة.
حددنا في اختيارنا لهذه الأسماء العشرة جملة معايير؛ أهمها دور القائد في صناعة واقع استراتيجي جديد في التاريخ الإسلامي، أو منع واقع كان على وشك أن يتشكل، وراعينا في هذا الاختيار الجانب الاستراتيجي والسياسي، ولم نركز كثيرا على إنجازات أخرى كالعلوم والفنون والآداب. وهذا الاختيار لَيس حكمًا أخلاقيًا، بل مقاربة سياسية - استراتيجية وحسب.
المهم في مثل هذه الاختيارات أنها رسمت معالم جيوسياسية للعالم الإسلامي على مدار ثلاثة عشر قرنًا.

أبو جعفر المنصور

الرجل القوي في تأسيس الدولة العباسية، ابن محمد بن علي، مؤسس الدعوة العباسية، والعقل المدبر لجهود أخيه أبو العباس السفاح الخليفة العباسي الأول. بحلول عام 132هـ، الذي تمت فيه مبايعة أبو العباس خليفة من قبل أهل الكوفة، كانت الأراضي التي تدين بالإسلام تمتد من الأندلس إلى آسيا الوسطى، والغالب كما يذهب معظم المؤرخين أن فشلالأمويين في التعامل مع التنوع العرقي والثقافي الذي مثله هذا التوسع هو أساس سقوط دولتهم، ومن ثم بروز الدعوة العباسية، التي اعتمدت على المعارضة القوية الموجودة في مُدن خراسان للحُكم الأموي.
على عكس سلفه، علم أبو جعفر المنصور  أن أي دور لعبه أهل فارس وآسيا الوسطى في وصول أبو العباس للحكم، وأدرك أن الاستمرار في اعتماد الهويات العرقية داخل دولة قوامها الإسلام لن يؤدي سوى إلى النزاع. في الدولة التي طمح إليها أبو جعفر، لم يكن هناك مكان لهوية أساسها العرق، بل هوية أساسها الانتماء للدين الإسلامي فقط، وفي هذا السياق يمكن فهم جهوده في دمج الثقافتين العربية والفارسية عبر دعم الترجمة والتعليم، والتي استمرت تحت حُكمه الممتد لأكثر من عقدين، بين عامي (137 – 158هـ / 754 -775م)، أسس فيها بنيان الدولة العباسية الذي ورثه من بعده خلفاؤه، حتى تضاءلت سلطة الخلافة بعد صعود سلطنات الجند، مثل البويهيين والسلاجقة، إلى أن سقط تمامًا بعد الغزو المغولي عام 656هـ / 1258م.

عبد الرحمن الداخل


ربما تكون قصة وصول عبد الرحمن الداخل إلى الحكم في الأندلس أقرب للقصص الخيالية، فهو حفيد الخليفة الأمويهشام بن عبد الملك، ومع تأسيس الخلافة العباسية بدأ رجالها في تعقب نسل بني أمية للقضاء عليهم تمامًا. شهدت رحلة هروب عبد الرحمن مقتل اثنين من إخوته، فاتجه من الشام إلى مصر ومن ثَم إلى المغرب.
كان لدخول عبد الرحمن إلى شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس)، حيث عرف بعده بالداخل، أكبر الأثر على الواقع السياسي للأندلس والأراضي الإسلامية بشكل عام؛ فمنذ بداية الفتح الإسلامي لها عام 92هـ وحتى وصول الداخل إليها عام 138هـ، لم يتمكن العرب في الأندلس من تخطي نزاعات الأمراء إلى مرحلة تكوين دولة أو إمارة جامعة في الأراضي الإيبيرية تتصف بثبات واتزان سياسي وثقافي يأخذ طبيعة المنطقة في الاعتبار.
تمكن عبد الرحمن الداخل من السيطرة على قرطبة في عام وصوله، واستخدامها كقاعدة للسيطرة على مساحات حكم الأمراء العرب في سرقسطة وبرشلونة رغم اعتمادهم على العون العسكري من شارلمان إمبراطور الفرنك. وتجدر الإشارة هنا إلى الأهمية الاستراتيجية لدحر الداخل قوات شارلمان في معركتي سرقسطة وباب الشرزي، حيث رسم هذا الانتصار حدود السيادة الأموية التي بناها الداخل وسمح له بالوصول إلى مرحلة تعضيد التواجد الإسلامي في الأندلس على الصعيدين الاجتماعي والثقافي في ظل دولة تربع على عرشها لأكثر من ثلاثين عامًا حتى وفاته في 172هـ.

ألب أرسلان السلجوقي

اتسع نطاق سيطرة السلطنة السلاجوقية -تركمانية الأصل- بصورة سريعة من وسط أسيا إلى عاصمة الخلافة العباسية في بغداد، واستمرت قوتها في النمو حتى صارت السلالة السلجوقية هي الحاكم الفعلي لكافة الأراضي الإسلامية شرق مصر. قضى السلاجقة على البويهيين، وحافظوا على الخلافة العباسية لرمزيتها الدينية، خاصة أنها وفرت لهم مظلة شرعية في ظل التوسع الفاطمي إلى غربهم تحت راية العقيدة الشيعية الإسماعيلية. وظل شخص الخليفة العباسي هو ممثل العقيدة السنية التي دان بها السلاجقة.
تكمن محورية ألب أرسلان في سياسات التغيير السكاني الجذرية التي أتاحتها فتوحاته في الأناضول، وأدت لواحدة من أبرز الأحداث السياسية والثقافية في المنطقة، وهي هيمنة العرق التركي على المنطقة المعروفة بتركيا حاليًا. كانت الأناضول مع بداية حكم ألب أرسلان جزءًا من الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية)، ومع التوسع التدريجي في الفتح من شمال العراق ووسط آسيا إلى قلب الأناضول، استخدم ألب أرسلان تقنيات الهجوم السريع والهرب التركمانية المعروفة بين قبائل آسيا الوسطى في السيطرة على مساحات كبيرة في الأناضول. 
وتعتبر معركة ملاذكرد عام 463هـ / 1071م أبرز معارك ألب أرسلان، والتي فتح بعدها الأناضول لاستيطان القبائل التركية، التي ستظهر منها الخلافة العثمانية فيما بعد. وإذا تم أخذ سياسات التغيير السكاني السابق ذكرها في الاعتبار؛ يمكن فهم تمكن السلاجقة في غضون سنتين من الوصول إلى قونية في قلب الأناضول، ومن ثم أنقرة عام 467هـ / 1075م، لينتهوا من السيطرة على الأناضول بالكامل بفتح نيقية عام 470هـ / 1077م؛ أي خلال أقل من عقد.
نور الدين زنكي


بعد أن خلف أبيه عام 541هـ / 1146م كحاكم حلب أو أتابِك حلب كما كان معروفًا آنذاك، وهي سلالة حكمت تحت سلطان السلاجقة، بدأ نور الدين زنكي جهوده في مواجهة الحملات الصليبية التي حققت الكثير من النجاحات في تلك الفترة نتيجة تفكك الإمارات الإسلامية وضعف الخلافة العباسية. وقد نجح نور الدين بالفعل في طرد الصليبيين من سوريا وفلسطين ليبزغ نجمه، ثم تبدأ رحلة بناء دولته الكبرى، سيما بعد دخوله دمشق عام 549هـ / 1154م ومصر بين عامي (564 - 566هـ / 1169 -1171م).
تركزت جهود نور الدين محمود الأساسية في بدايات عهده في توحيد مدن الشام تحت إمرته، لينجح بالفعل في السيطرة على دمشق وبعلبك والرها وحران والموصل، ثم يتجه ناحية فلسطين لمواجهة الصليبيين أثناء حملتهم الثانية على المشرق، ليخوض معارك عدة معهم، ثم يتجه إلى مصر بعد أن قرر الصليبيون دخولها كظهير جنوبي لهم في وجه مُلك نور الدين بالشمال، ليقود ثلاث حملات قبل أن ينجح بالفعل في ضمها إلى مُلكه في أواخر عهده.
عُرِف عن نور الدين عدله وزُهدِه ودهائه العسكري، وقد شهد له بذلك مؤرخون مسلمون ومسيحيون على السواء، كما اشتهر باستخدام الغنائم التي اغتنمها في المعارك لبناء المساجد والمدارس والمستشفيات وبيوت المسافرين، ليترك عند وفاته عام 569هـ / 1174م دولة كبرى في مصر والشام قُدر لصلاح الدين الأيوبي أن يرثها ليستكمل مسيرته في الوقوف بوجه الصليبيين وحملاتهم المستمرة القادمة من أوروبا.

صلاح الدين الأيوبي


وُلِد صلاح الدين الأيوبي لأسرة كردية معروفة، وقد نشأ في الشام بعد أن انتقل مع أبيه إلى حلب لخدمة عماد الدين زنكي، والد نور الدين زنكي، وتلقى تعليمًا دينيًا وعسكريًا رفيعًا، ثم دخل إلى جيش عمه أسد الدين شيركوه، أحد قادة الأمير نور الدين آنذاك، حتى أثبت جدارته وأصبح على رأس القوات الشامية في مصر، ثم وزيرًا للخليفة الفاطمي هناك بعد وفاة شيركوه، ليقوم بإسقاط المُلك الفاطمي كله خلال أعوام، وإعادة الإسلام السُني إلى موقعه السابق في مصر، والعمل تحت راية نور الدين زنكي.
بوفاة نور الدين استحوذ صلاح الدين الأيوبي على سلطته، وأصبح له سلطانه الخاص في مصر والشام، الذي انطلق منه لمواجهة الصليبيين في فلسطين، وهي المواجهة التي وصلت ذروتها في معركة حطين عام 583هـ / 1187م. نجح صلاح الدين في محاصرة وهزيمة جيوش الصليبيين في حطين، واسترد من ثم عكا وبيروت وصيدا ونابلس ويافا وعسقلان خلال ثلاثة أشهر من المعركة، وأخيرًا القدس، التي سلمها له الصليبيون في أكتوبر من العام نفسه، بعد 88 عامًا من حكم الفرنج لها.
لم تبق تلك المدن طويلًا في أيدي المسلمين رُغم ذلك، حيث ظلت تتأرجح بين حكم الأيوبيين والصليبيين، بفعل تنازع أبناء صلاح الدين على تركته في مصر والشام بعد وفاته. انتهى ملك الأيوبيين إلى التفسخ، وآلت ممتلكاتهم إلى سلطانالمماليك؛ القوة الجديدة الصاعدة في مصر والشام.

سيف الدين قطز

ليس من الواضح كيف كانت حياة سيف الدين قطز في بدايتها، والذي يُقال أنه بيع لأحد تجار الرقيق في القاهرة قبل أن يشتريه السلطان المعز عز الدين أيبك في القاهرة، حيث أثبت جدارته مع الوقت وأصبح يده اليمنى، ثم مساعد ابنه السلطان المنصور علي، قبل أن ينحيه عن العرش ويصبح هو السلطان في العام التالي على دخول التتار لمدينة بغداد. باقتراب خطر المغول في المشرق، رأى قطز أن من الضروري وجود قائد قوي في السلطنة بدلًا من المنصور علي.
كما هو متوقع، حين وصل المغول إلى الشام قاموا بإيفاد رُسُلَهم إلى قطز ونصحوه بالاستسلام للزحف المغولي الذي لم يُبقِ على دولة من دول الشرق. وطبقًا لروايات تاريخية عدة، قام قطز بقطع رؤوس الرسل وتعليقها على باب زويلة، في إعلان صريح لموقف الدولة المملوكية من غزو المغول، لتبدأ إرهاصات معركة عين جالوت، التي تعتبر واحدة من أبرز المعارك العسكرية في تاريخ المنطقة، والتي كان لها ربما الدور الرئيس في إنقاذ الحضارة الإسلامية من السيطرة المغولية الهوجاء.
لم يدم حُكم قطز طويلًا بعد انتصاره في عين جالوت، حيث قُتِل بتدبير من بيبرس، أحد قادة الجيش المملوكي، انتقامًا لأحد قيادات المماليك البحرية الذين قتله قطز أثناء حُكم السلطان أيبك، أو كما يقول آخرون لأنه منح حُكم حلب للملك علاء الدين أمير الموصل بدلًا منه كما وعده سابقًا.
يوسف بن تاشفين

في عام 453هـ / 1061م، وبينما اتجه أبو بكر زعيم المرابطين في المغرب العربي لقمع إحدى الثورات القبلية في الصحراء الأفريقية، أوكل مهام قيادة جيشه إلى يوسف بن تاشفين أحد أقاربه، والذي ذاع صيته وزادت شعبيته بسهولة إلى أن قرر أبو بكر نقل مُلكه إليه بعد عودته، ليبدأ العصر الذهبي لدولة المرابطين تحت حُكمه الذي استمر خمسة وأربعين عامًا.
بدأ يوسف بن تاشفين، ذو الأصول الأمازيغية، عهده بتأسيس مدينة مراكش المعروفة الآن في المملكة المغربية، ثم توسع ليستحوذ على المغرب والجزائر بالكامل، ويبدأ حملاته في الأندلس بعد أن استغاث به المسلمون هناك جراء تزايد الهجمات المسيحية الأوروبية وسقوط طليطلة عام 478هـ / 1085م. اتجه بن تاشفين بالفعل إلى الأندلس وأوقع الهزيمة بالملك ألفونسو القشتالي عام 479هـ / 1086م، ونجح في توسيع ملكه ليشمل معظم شبه الجزيرة الأيبيرية.

محمد الفاتح

هو القائد العثماني الأشهر، الذي جلس على عرش الدولة العثمانية عام 855هـ / 1451م وقاد فتح القسطنطينية عام 857هـ / 1453م. وقد استمر حكمه ثلاثين عامًا، أطلق على نفسه فيها لقب "قيصرِ الروم"، باعتباره وارثًا للمُلك الروماني والبيزنطي، و"سيد الأرضين والبحرين"؛ الأناضول والبلقان وبحر إيجه والبحر الأسود. وقد عُرِف عهد محمد الفاتح بإعادة تنظيم الحكومة العثمانية، ووضع قوانين عامة للسلطنة. وتعتبر امتيازات الحماية التي وفرها لمجتمعات تجار البندقية وفلورنسا في إسطنبول السابقة الأولى لمؤسسة السفارة الأجنبية في التاريخ الدبلوماسي.
بالإضافة إلى معركة فتح القسطنطينية، تعتبر معركة باشكنت في مدينة أرزينجان عام 877هـ / 1473م، والتي خاضها في مواجهة قائد التركمان المنافس للعثمانيين أوزون حسن، واحدة من أبرز معارك محمد الفاتح، والتي أتاحت له توطيد مُلك العثمانيين في الأناضول بشكل نهائي. هذا، علاوة على حملات عسكرية في البلقان والمجر ورومانيا ومولدوفا وجزيرة رودس وشبه جزيرة القرم ومدينة أوترانتو في جنوب إيطاليا، التي دخلها في أواخر عهده عام 885هـ / 1480م.
عُرِف عن محمد الفاتح تسامحه مع كل الفئات التي سكنت القسطنطينية، إذ قام بجمع المفكرين الإيطاليين واليونانيين في بلاطه بعد الفتح، وأمر بترجمة العقائد المسيحية للتُركية، كما حرص على جمع الكتب اليونانية واللاتينية؛ وظلت كنيسة الروم الأرثوذكس تعمل بشكل طبيعي من بعده حتى أغلقت بعد إعلان الجمهورية التركية في القرن العشرين.

السلطان سليم الأول


ثماني سنوات فقط هي الفترة التي حكم فيها سليم الأول السلطنة العثمانية، ولكنها شهدت ذروة فتوحاتها وحصولها على لقب الخلافة، حيث نجح السلطان المعروف بشدته في دخول مصر وسوريا والحجاز، ليؤول حكم معظم أراضي المسلمين إلى العثمانيين في أقل من عقد.
خلال سنوات حكم السلطان سليم الأول، بزع نجم إسماعيل الأول الصفوي في إيران، وهو ما دفع بسليم للالتفات نحو الشرق لتأمين حدود الدولة العثمانية، لا سيما وأن قبائل القزلباش الموالية لإسماعيل كانت تثير الاضطرابات في الأناضول. خاض سليم أولى معاركه الشرقية ضد الصفويين في جالديران شرقي نهر الفرات عام 920هـ / 1514م، ثم ضم الولايات التركمانية والكردية للمُلك العثماني.
فيما بعد، وبينما بدأت حدود العثمانيين تتجاوز كردستان وتقارب على الشام، نشب النزاع بينهم وبين المماليك حكام مصر والشام حتى ذلك الوقت، لينجح سليم في هزيمتهم في معركتي مرج دابق والريدانية عامي 922 و 923هـ / 1516م و1517م، لتنتقل كل أراضيهم رسميًا للدولة العثمانية، وإن بقيت سلطتهم على الأرض كولاة. وطبقًا للرواية العثمانية، تخلى آخر الخلفاء العباسيين في القاهرة عن منصب الخلافة لسليم الأول، ليصبح بذلك أول الخلفاء العثمانيين؛ وهو ما دفع شريف مكة إلى تسليم مفاتيح المدينة للسلطان سليم أثناء وجوده في القاهرة.

سليمان القانوني



بعد وفاة سليم الأول، انتقل الحكم بعده لابنه سليمان القانوني (حكم من 926 – 974هـ / 1520 – 1566م). استمر سليمان في سياسة التوسع العسكري التي اتبعها أسلافه، وأضاف لها أبرز ما عُرِف به فيما بعد: الاهتمام بالمجالات القانونية والثقافية والعمرانية، ليشهد عهده تميز الحضارة العثمانية، بل وربما تشكل بصمة خاصة للثقافة العثمانية.
بدأ سليمان القانوني حملاته العسكرية فور جلوسه على العرش باستحواذه على بلغراد، عاصمة صربيا اليوم، ثم رودس والمجر، وأخيرًا وصل إلى أبواب فيينا عاصمة النمسا، والتي لم ينجح في السيطرة عليها نتيجة لعوامل شتى منها سوء الأحوال الجوية وقلة المؤن والمقاومة الأوروبية المنيعة في المدينة، وهو ما دفعه للتخلي عنها والاكتفاء بالمجر، لا سيما وأن الحدود الشرقية عادت لتؤرق الأستانة من جديد.
وجه سليمان ثلاث حملات كبرى ضد الدولة الصفوية، أولها عام 941هـ / 1534م، عندما استحوذ على مدينة أرضروم ودخلت أثنائها قوات العثمانيين العراق؛ وثانيها عام 955هـ / 1548م، حيث هيمن بها على معظم الأراضي المحيطة ببحيرة وان (فان)؛ وآخرها عام 961هـ / 1554م، التي لم تحقق أهدافها المرجوة، وكانت تنطوي على هدف صعب هو اختراق فارس نفسها.
برز في عهد سليمان القانوني القائد البحري المعروف خير الدين بارباروسا، قبودان الأسطول العثماني، وكُتب له أن يكون واحدًا من أبرز القيادات البحرية في التاريخ الإسلامي بجهوده في البحر المتوسط وعلى سواحل اليونان والبندقية وأسبانيا، التي رسخت من هيمنة العثمانيين على البحر المتوسط.

المصدر قصة الاسلام 

إن الذي يمد رجله .. لا يمد يده !


دخل جبار الشام إبراهيم باشا بن محمد علي حاكم مصر المسجد الأموي في وقتٍ كان فيه عالم الشام الشيخ سعيد الحلبي يلقي درسًا في المصلين. ومرَّ إبراهيم باشا من جانب الشيخ، وكان مادًّا رجله فلم يحركها، ولم يبدِّل جلسته. فاستاء إبراهيم باشا، واغتاظ غيظًا شديدًا، وخرج من المسجد، وقد أضمر في نفسه شرًّا بالشيخ.
وما أن وصل قصره حتى حف به المنافقون من كل جانب، يزينون له الفتك بالشيخ الذي تحدى جبروته وسلطانه، وما زالوا يؤلبونه حتى أمر بإحضار الشيخ مكبلا بالسلاسل.
وما كاد الجند يتحركون لجلب الشيخ، حتى عاد إبراهيم باشا فغيَّر رأيه، فقد كان يعلم أن أي إساءة للشيخ ستفتح له أبوابًا من المشاكل لا قِبل له بإغلاقها.
وهداه تفكيره إلى طريقة أخرى ينتقم بها من الشيخ، طريقة الإغراء بالمال، فإذا قَبِله الشيخ فكأنه يضرب عصفورين بحجر واحد، يضمن ولاءه، ويسقط هيبته في نفوس المسلمين، فلا يبقى له تأثير عليهم.
وأسرع إبراهيم باشا فأرسل إلى الشيخ ألف ليرة ذهبية، وهو مبلغ يسيل له اللعاب في تلك الأيام، وطلب من وزيره أن يعطي المال للشيخ على مرأى ومسمع من تلامذته ومريديه.
وانطلق الوزير بالمال إلى المسجد، واقترب من الشيخ وهو يلقي درسه، فألقى السلام، وقال للشيخ بصوت عالٍ سمعه كل من حول الشيخ: هذه ألف ليرة ذهبية، يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك.
فَنَظَر الشيخ نظرة إشفاق نحو الوزير، وقال له بهدوء وسكينة: يا بُنَيّ، عُدْ بنقود سيدك وردها إليه، وقُلْ له: إن الذي يمدُّ رجله، لا يمد يده.
المصدر: موقع إسلام ويب.

الاثنين، 16 مايو 2016

السلطان بايزيد الأول 
 صاعقة الإسلام !!


اتسمت الدولة العثمانية بكثرة الفتوحات مثلها مثل الدولة الأموية , فاتسعت الدولة العثمانية حتى امتدت أراضيها فى ثلاث قارات وكانت معظم فتوحاتها فى أوروبا فوصلت جيوش المسلمين فى عمق أوروبا حتى أسوار فيينا !!
وكان من سلاطين الدولة العثمانية العظام السلطان بايزيد الأول سلطان الروم وصاعقة الإسلام والفاتح الكبير والمجاهد العظيم ,كان علما من أعلام الجهاد , الذى بلغت الدولة فى عهده من العزة والمجد ماذكر المسلمين بأيام الصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم , فهو صاحب النصر فى معركة نيكوبولس التى كانت من أيام المسلمين الخالدة !!
فمن كان السلطان بايزيد الأول !!! , دعونا نسرد سيرته ومصادرى فى ذلك : -
1- كتاب البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع – للشوكانى 
2- كتاب تاريخ الدولة العثمانية العلية – إبراهيم بك حليم
3- كتاب تاريخ سلاطين بنى عثمان من أول نشأتهم حتى الآن – لحضرة عزتلو يوسف بك آصاف
4- كتاب تاريخ الدولة العثمانية فى العصور الوسطى – لمحمود محمد الحويرى
5- كتاب الدولة العثمانية عوامل النهوض والسقوط– لعلى الصلابى 
6- كتاب فى أصول التاريخ العثمانى – أحمد عبد الرحيم مصطفى 
7- بعض المصادر الموجودة على الإنترنت أنقل منها المعقول والمأثور , وأترك ماينافى الدين أو العقل

نبدأ باسم الله وبه الثقة وعليه التكلان :
هو رابع سلاطين الدولة العثمانية , وُلد سنة 761هـ وبُويع له فى ميدان الحرب بعد استشهاد أبيه السلطان مراد الأول فى المعركة – معركة "قوصوة" -كوسوفو – وأصبح سلطانا على ماتحته من البلاد سنة 791هـ وهو ابن ثلاثون سنة . هكذا كانت البداية .... فى ميدان الحرب !!
كان السلطان بايزيد الأول محبا للجهاد معزا لدين الله مذلا للكفار وأعوانهم محطما هامات المتكبرين ومدمرا لأعداء الله وكان على قدر كبير من الشجاعة, ومن أقوى السلاطين بأساً ,جرد الدولة البيزنطية من جميع ممتلاكاتها إلا العاصمة القسطنطينية وضرب حولها حصارا شديدا حتى كادت أن تفتح على يديه وانتظر العالم الإسلامى والمسيحى سقوط القسطنطينية بين ساعة وأخرى حتى حدث مالم يكن فى الحسبان كما سيأتى .
كان مجرد ذكر اسم "بايزيد" كافيا أن يوقع الرعب فى نفوس المسيحين فى أوربا عموما وأهل القسطنطينية خاصة !! , كانت ترتجف منه ملوك أوروبا رعبا !! , وكان رحمه الله سريعا فى انقضاضه على أعدائه حتى لقبوه "يلديرم" أى "الصاعقة" وظل هذا الإسم يرعب جميع أوروبا !!
كان عادلا حازما يحب العلماء ويقربهم ويعظم شأنهم وكان شديد التواضع مع ما جمع الله له من الهيبة والمك والقوة , فأتى بذلك أمر نادرا ما نجده فى سلاطين المسلمين أو خلفائهم وله فى ذلك القصة الشهيرة .
قصة لها دلالتها :-
إننا الآن فى ساحة المحكمة وتم استدعاء السلطان بايزيد الأول للإدلاء بشهادته فى أمر ما !! , وهل جاء السلطان أم اعتذر ؟؟
هاهو السلطان بايزيد الأول يقف أمام القاضى الإمام "شمس الدين فناري" فى تواضع شديد , لكن ينظر اليه القاضى ثم يقول " هذا الرجل لا تقبل شهادته , لأنه لا يحضر صلاة الجماعة مع المسلمين فى المسجد ومن لا يصلى فى جماعة دون عذر شرعى ممكن له أن يكذب فى شهادته !! "
ياالهى !! . نزلت كلمات القاضى على الحاضرين كالصاعقة ومسك الجنود قبضات السيوف وانتظروا اشارة واحدة من السلطان لتطير عنق القاضى فى لحظة , لكن ..........
أومأ السلطان بايزيد برأسه فى تواضع شديد ثم خرج , وفى نفس الوقت أمر ببنا مسجد ملاصق لقصره كى يحضر مع المسلمين صلاة الجماعة !!
هذا ما سجله المؤرخ التركي (عثمان نزار) في كتابه (حديقة السلاطين) المؤلف قبل مئات السنين
بالله عليكم هل سمعتم بسلطان رُفضت شهادته !! , الا يذكركم هذا السلطان بالفاروق عمر بن الخطاب !!!!
عندما جلس السلطان بايزيد الأول على كرسى السلطنة كانت الأناضول يحكمها مثل ملوك الطوائف , واستطاع بايزيد الأول أن يوحد الأناضول كلها تحت إمرته بسرعة ومهارة حربية عجيبة أذهلت المسيحين فى أوروبا , وبعدما توحدت الأناضول ابتدأ جهاده ضد الإمبراطورية البيزنطية وبالفعل قضى على شوكتهم ووهن كيدهم وسلب بلادهم وضمها للدولة العثمانية , فأصبحت القسطنطينية محاطة من كل جانب بالدولة العثمانية .
ولم يكتفى السلطان بايزيد الأول بذلك , بل واصل جهاده حتى فتح بلغاريا والبوسنة والأفلاق – جنوب رومانيا –ومعظم بلاد أوربا الشرقية !! وقاتل الصرب وانتصر عليهم وأرغم ملك الصرب أن يدفع له جزية سنوية وبناء مساجد ومحاكم إسلامية !! .
موقف من مواقف العزة :-
وبلغت عزة المسلمين أيام السلطان بايزيد مبلغا عظيما ذكرتهم بأيام الصحابة والرعيل الأول من المسلمين ومن تلك المواقف التى بلغت فيها عزة المسلمين مبلغا عظيما , يوم ان تولى الإمبراطور "مانويل" عرش القسطنطينية وفكر فقط فى مقاومة المسلمين !! , فماذا فعل السلطان بايزيد ؟
فرض السلطان بايزيد الأول عدة شروط على "مانويل" إمبراطور بيزتطة وتلك الشروط هى :
1- إنشاء محكمة إسلامية وتعيين قضاه مسلمين بها للفصل في شئون الرعية المسلمة بها. 
2- بناء مسجد كبير بها والدعاء فيه للخليفة العباسي بمصر ثم السلطان بايزيد وذلك يوم الجمعة. 
3- تخصيص 700 منزل داخل المدينة للجالية المسلمة بها. 
4- زيادة الجزية المفروضة على الدولة البيزنطية. 
5- ترك حامية إسلامية تتكون من 6000 جندى بحى جالاتا بحذاء الشواطىء الشمالية للقرن الذهبى
6- فرض رسوم جديدة على مزارع الكروم والفاكهة خارج أسوار القسطنطينية

ودوّت صيحات الله أكبر فى جنبات القسطنطينية لأول مرة فى عهد الصاعقة بايزيد الأول , ولم ينتهى المشهد بعد , فقد ظل الإمبراطور مانويل معظم السنة الأولى من حكمه فى خدمة السلطان بايزيد وظل فى معسكر السلطان !! , الى أن سمح له بالرجوع الى القسطنطينية , ولكنه حذره قائلاً :
( إذا أردت أن تنفذ أوامرى , إغلق عليك أبواب مدينتك , واحكم داخلها , فكل ماوراء الأسوار ملك لى )
انظروا أيها السادة الى عزة المسلمين وقتها !!!
الأمر الذى أرعب المماك المسيحية فى أوربا والذى أدى الى إعلان البابا بونيفاس التاسع الحرب الصليبية على الدولة العثمانية والسلطان بايزيد ومنح غفرانه لجميع المسيحين الذين سيقاتلون فى تلك الحملة لإنقاذ المجر والممالك المسيحية فى أوروبا .
معركة نيكوبولس 800 هـ :-
اجتمع لدعو البابا 15 دولة أوروبية و معظم أمراء ودول أوروبا "المجر – النمسا - إنجلترا – فرنسا – البندقية – أسبانيا – إيطاليا – ألمانيا – رومانيا - سويسرا – بولنده" , ومنذ قيام الحملة الصليبية الأولى فى بداية القرن الحادى عشر الميلادى لم تجتمع هذه الأعداد الضخمة , فكانت من أخطر الحملات الصليبية على الإسلام على الإطلاق .
وكان قيادة تلك الجيوش لملك المجر "سيجسومند" , وافتخر المسيحين بالقوات الكثيفة التى تم حشدها حتى تملكهم الغرور حتى ان الملك "سيجسموند" قال فى علياء " لو سقطت علينا السماء لأمسكناها بحرابنا " , واجتمعت الجيوش فى "بودا" عاصمة المجر وانعقد مجلس الحرب فى صيف عام 1396 م لرسم الخطط ووضع التكتيكات الحربية .
وبدأ هجوم الجيوش الصليبية نحو بلغاريا واستعادوا بعض المدن وأبادوا الحامية الإسلامية فيها , الأمر الذى أدى الى ترك السلطان بايزيد محاصرة القسطنطينية وتوجه نحو أوروبا فى سرعته المعهودة وجمع مائة ألف مقاتل بالإضافة الى قوات ضخمة أمده بها ملك الصرب رغما عنه حسب الإتفاقية التى بينهما , وتقابل الفريقين فى منطقة نيكوبولس .
قبل بداية المعركة اقترح الملك "سجسموند" ان يتخد وضعية الدفاع , لكن خالفه باقى الأمراء فى الجيش واقترحوا مهاجمة العثمانيين والتوغل فى الأناضول والتوجه بعدها الى بلاد الشام وبيت المقدس !! .
وبالفعل أثناء مسير القوات الصليبية الضخمة وتقدمهم ظهرت فجأة الجيوش الإسلامية بقيادة "الصاعقة" كأنها خرجت من باطن الأرض وكان ظهوره كفيلاً بإدخال الرعب والهول في قلوب الصليبيين وبدأت المعركة التى تعد من أشرس معارك التاريخ , وقاتل المسلمون يومها قتال من لا يخشى الموت , وأنزل الله على المسلمين الرحمة والسكينة وأيدهم بجند من عنده , فقذف فى قلوب الذين كفروا الرعب , وانتهت المعركة بنصر مبين للمسلمين ذكرهم بأيام المسلمين الأولى بدر واليرموك .
وعلى الرغم من القضاء على القوات الصليبية إلا أن السلطان بايزيد انزعج لكثرة قتلى المسلمين فى المعركة التى قدرت بثلاثين ألف 30.000 قتيل !!! , وتذكر السلطان بايزيد مافعله الصليبيون بالحاميات الإسلامية فى بلغاريا والمجر , فأمر السلطان بايزيد بقتل الأسرى كلهم 3000 أسير وفى رواية أخرى 10.000 عشرة آلاف, ولم يبق إلا أكابر وعلية القوم للحصول على فدية ضخمة منهم .
موقف من مواقف العزة :-
وممن وقع فى الأسر "الكونت دى نيفر" بنفسه أحد أكبر الأمراء فى الجيش الصليبى , الذى أقسم بأغلظ الأيمان ألا يعود لمحاربة المسلمين وكاد أن يقبل قدم السلطان , لكن كان الرد السلطان بايزيد الأول المعتز بدينه , أن قال له :
(إنى أجيز لك ألا تحفظ هذا اليمين فأنت فى حل من الرجوع الى محاربتى وقت ما شئت ) ثم استطرد قائلاً كلمته الشهيرة التى خلدها له التاريخ وكتبها من حروف من ذهب :
( إذ انه ما من شيىء أحب الىّ من محاربة جميع مسيحى أوروبا والإنتصار عليهم )
نزل الخبر على مسيحى أوروبا مثل الصاعقة , وانتظر المسيحيون سقوط الممالك المسيحية واحدة تلو الأخرى فى قبضة السلطان بايزيد .وعلى النقيض أرسل السلطان بايزيد الرسائل الى ملوك وسلاطين المسلمين فى القاهرة وبغداد وبلاد ماوراء النهر ومعها بعض الأسرى كدليل مادى على النصر المبين , وخلع عليه الخليفة فى القاهرة أبو عبد الله محمد بن المعتضد المتوكل على الله لقب "سلطان الروم" فأضاف بذلك شرعية جهاده ضد المسيحين فى أوروبا , وأهدى أمير بخارى سيفا للسلطان بايزيد فى سبيل الهدية والتكريم , وعلقت الزينة فى البلاد الإسلامية فرحا بذلك النصر المبين واتجهت أنظار المسلمين الى تلك الدولة التى أيد الله جهادها بالنصر على أعدائها وارتحل كثير من شباب المسلمين الى الأناضول ليكونوا تحت إمرة السلطان بايزيد فى جهاده ضد الروم مسيحى أوروبا .
وتعتبر معركة نيكوبولس بالنسبة للمسيحين أعظم كارثة على الإطلاق فى العصور الوسطى , وبلغ السلطان بايزيد قمة مجده بعد تلك المعركة . وفى نشوة الفرح والإنتصار أعلن السلطان " أنه سيفتح إيطاليا بإذن الله وسيطعم حصانه الشعير على مذبح كنيسة القديس بطرس فى روما " !!
أى رجل كان !!! , ولكن الله قدر شيئا آخر .
كارثة تيمورلنك :-
ظهرت أثناء تلك الفترة قوة بشرية ضخمة يقودها رجل من أقسى الناس قلبا وأخبسهم عملاً , هو تيمورلنك الرافضى الخبيث الذى كان يدعى الإسلام ويظهر حبه الشديد لآل بيت النبى صلى الله عليه وسلم , استطاع هذا الرجل أن يؤسس إمبراطورية ضخمة مترامية الأطراف فضم بلاد ماوراء النهر وبلاد الشام والهند وموسكو وأسيا الصغرى !!
وكان يؤمن أنه طالما يوجد فى السماء اله واحد فيجب أن يوجد فى الأرض ملك واحد , فكان يحلم بالسيطرة على العالم !!
واستباح تيمورلنك بعض البلاد مثل حلب وبغداد وغيرها , فعمل فيها التخريب والقتل وكان يأخذ الصناع والحرفيين الى عاصمته "سمرقند" , ولم يستطع أحد أن يقوم فى وجه هذا الطاغية لعظمة جيوشه وأعدادها الضخمة التى لا نبالغ إذا قلنا أنها قاربت الى اكثر من مليون جندى !!
وكان هذا الطاغية لربما يصنع أهرام من جماجم ضحاياه وعظامهم , فكان من أشد الناس ظلما وقهرا . وكان قبحه الله يصبغ حملاته تلك بصبغة دينية لتسهيل فتوحاته .
مافرح ملوك أوروبا بشىء مثل فرحهم بظهور تيمورلنك الذى وجدوا فيه خلاصهم الوحيد من السلطان بايزيد الأول .
ارتحل كثير من أمراء الأناضول الذين طردهم السلطان بايزيد الأول الى خدمة تيمورلنك واحتموا به , وبلغ ذلك إمبراطور بيزنطة وأمراء أوروبا فأرسلوا الى تيمورلنك يستنجدون به من السلطان بايزيد الأول وأوقدوا العداوة بينهما , وبالفعل طمع تيمورلنك فى أملاك الدولة العثمانية وبدأ بالهجوم على أطرافها فى آسيا الصغرى , وانضم اليه الأمراء الفارين من بايزيد الأول . 
الأمر الذى أزعج السلطان بايزيد جدا فصمم على ملاقاة هذا الطاغية وقتله وخصوصا بعد رسالة تيمورلنك الى السلطان بايزيد حيث أهانه ضمنيا حين ذكره بغموض أصل أسرته واستصغار شأنه ولكنه ختم الرسالة بأن عرض عليه العفو على إعتبار الخدمات الجليلة التى قام بها آل عثمان لخدمة الإسلام !!

فصمم السلطان بايزيد على محاربة الطاغية تيمورلنك , ثم بعد ذلك يتفرغ الى فتح القسطنطينية الذى كان وشيكا جدا .
معركة أنقرة 1402م :-
فى عام 1400 م احتل تيمورلنك سيواس فى الأناضول وأباد حاميتها هناك التى كان يقوها أرطغرل بن السلطان بايزيد ولم يكتفى بذلك بل أخذ الفرسان وأحنى رؤسهم بين أرجلهم وألقاهم فى خنادق واسعة وردمهم بالتراب !!
انزعج السلطان بايزيد جدا واستصوب رفع الحصار عن القسطنطينية وملاقاة هذا الطاغية . فاجتمع الجيشان فى سهل أنقرة عام 1402م- 19 ذى الحجة 804هـ - وكان جيش السلطان بايزيد حوالى 120.000 مقاتل وكان من قواد الجيش 5 من أولاد السلطان بايزيد هم ( محمد , مصطفى , سليمان , عيسى , موسى ) , وكانت قوات تيمورلنك كثيرة جدا حتى أن بعض الروايات تذكر أنها وصلت الى 800.000 مقاتل !!
هذا بالإضافة الى وجود آلاف من التتر فى جيش بايزيد الأول وكان قد أرسل لهم تيمورلنك سرا كتابا يخبرهم بأن ينضموا اليه ويتركوا السلطان بايزيد وأخبرهم "نحن جنس واحد، وهؤلاء تركمان ندفعهم من بيننا،ويكون لكم الروم عوضهم" فأجابوه وواعدوه أنهم عند اللقاء يكونون معه !!
عندما التقى الجيشين دخل الرعب الى قلوب جنود السلطان بايزيد من هول ما رأوه من عدد جنود تيمورلنك بالإضافة الى ما سمعوه عن معاملته الوحشية لأسرى الحرب ومما زاد بلائهم أن الجنود التتر الموجودين فى صفوفهم انضموا لصفوف تيمورلنك وكانوا 50.000 خمسين ألفا !!
فكان مصير المعركة محدد سابقا , وبدأت معركة شرسة ضارية تشبه فى شدتها وضراوتها حروب هذا العصر لكن بإختلاف نوع الأسلحة المستخدمة !! , فانهزم جيش بايزيد الأول وبدأ الجنود فى الإنسحاب , أما بايزيد الأول لم ييأس وهو الذى تعود على النصر وهو الذى عُرف بالشجاعة والإقدام , فأخذ مجموعة من الفرسان من خواص رجاله وصعدوا على ربوة عالية ليكونوا فى موقع جيد للقتال ولكن قدر الله أن يقع السلطان بايزيد فى الأسر !!
نعم , وقع السلطان بايزيد الأول فى الأسر عند تيمورلنك , واختلفت الروايات فى كيفية معاملة تيمورلنك للسلطان المجاهد العظيم بايزيد الأول , فمنهم من قال أنه اهانه ووضعه فى قفص وأخذ يطوف به البلاد , ومنهم من يقول أنه أكرمه وعظم شأنه , ولا ندرى حقيقة كيف عُومل السلطان المجاهد الصاعقة بايزيد الأول , لكن مع ما ثبت فى كتب التاريخ ما فعله تيمورلنك عند وفاة السلطان بايزيد الأول يدل لنا على أن تيمورلنك أحسن معاملة السلطان بايزيد فى أسره .
بعد أسر السلطان بايزيد استباح تيمورلنك أملاك الدولة العثمانية لجنوده فخربوها وهدموا أكثر منشآتها !!
وفاة الصاعقة ..... (15 شعبان عام 805هـ)
أتدرون كيف مات السلطان المجاهد العظيم الصاعقة بايزيد الأول !!!
مات السلطان بايزيد بعد ثمانية شهور كمدا فى أسره !! , فظل يرسف فى أغلاله حتى مات رحمه الله تعالى , لم يتحمل – رحمه الله – الذل والهوان والأسر , ولم لا وهو السلطان المجاهد العظيم الصاعقة الذى تعود على النصر والذى لم يركن الى الراحة يوما واحد وظل فى جهاد دام أكثر من 14 عاماً ووصلت جيوشه أماكن لم ترفع فيها راية للمسلمين من قبل , ورفع الآذان فى عهده فى القسطنطينية التى كادت أن تفتح على يديه . وهو السلطان الذى ارتعدت فرائص ملوك الروم عند ذكر اسمه !!
وعندما مات السلطان بايزيد الأول سمح تيمورلنك ابنه الأمير موسى بأخذ جثمان أبيه ودفنه بجوار مسجده فى مدينة بروصة فى الأناضول وقبره بها مازال معلوما الى الآن .
كانت الصدمة شديدة جدا على المسلمين فى أنحاء الأرض !! , حتى أن تيمورلنك قام بفتح بعض البلاد الساحلية الصليبية وانتزعها من ايدى فرسان القديس يوحنا محاولا بذلك أن يبرر موقفه أمام الرأى العام الإسلامى الذى اتهمه بأنه وجه ضربة قاضية وشديدة للإسلام حين قضى على الدولة العثمانية وقضى على السلطان المجاهد العظيم الصاعقة بايزيد الأول !!
لكن أبى الله إلا أن يخلد ذكر الصاعقة بايزيد الأول ويأتى من نسله أبطال عظماء لطالما استمتعنا بقراءة سيرهم وبطولاتهم مثل محمد الثانى فاتح القسطنطينية !!
هو محمد الفاتح بن مراد الثانى بن محمد جلبى بن السلطان بايزيد الأول !! .....ذرية بعضها من بعض !!
مات السلطان بايزيد الأول وقد بلغ من العمر 44 عاماً !!
وظلت سيرة السلطان بايزيد الأول وستظل دائما نورا ونبراسا يضىء لنا الدرب الى الجهاد والى نصرة دين الله
قال الإمام الحافظ المحدث العلامة ابن حجر العسقلانى - رحمه الله - عن السلطان بايزيد الأول :
- كان من أكبر ملوك الإسلام وأتمهم يقينا وأيمنهم نقيبة وأكثرهم غزوا فى بلاد الكفار , وكان ينكر ملوك عصره تقاعدهم عن الجهاد وأخذهم المكوس ....
- وكان أبو يزيد بن عثمان - بايزيد الأول - من خيار ملوك الأرض , ولم يكن يلقب بلقب ولا أحد من آبائه وذريته , ولا دعى بسلطان ولا ملك , وإنما يُقال " الأمير" تارة و "خوند خان" تارة , وكان مهابا يحب العلم والعلماء ويكرم أهل القرآن ...
- وكان يجلس بكرة النهار فى براح متسع , وتقف الناس بالبعد عنه بحيث يراهم , فمن كانت له ظلامة رفعها اليه فأزالها فى الحال ....
- وكان الأمن فى بلاده فاشيا , بحيث يمر الرجل بالحمل مطروحا بالبضاعة فلا يتعرض له أحد !! ....
سبحان الله !!
أرأيتم كيف كان السلطان بايزيد الأول - رحمه الله - وكيف كان ثناء الحافظ ابن حجر العسقلانى عليه !!!
والله يا إخوة ما يحزن ويدمى القلب أن شبابنا الآن لا يعرفون شيئا عن هذا البطل العظيم !!
الله المستعان ...